Www.Hits.Mousika.Org

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم
أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى .
Www.Hits.Mousika.Org

Www.Hits.Mousika.Org : Votre Forum Marocain De L'audio-Visuel

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» درس مصور في الرياضيات | حساب المجموعات
الثلاثاء فبراير 11, 2014 5:33 am من طرف Admin

» درس مصور > التجادب الكوني
الثلاثاء فبراير 11, 2014 5:29 am من طرف Admin

» الفشل المدرسي و التعليمي
الثلاثاء فبراير 11, 2014 5:23 am من طرف Admin

» اصبح الانترنت من اهم الضروريات... أدخل
الثلاثاء مارس 05, 2013 11:31 am من طرف asmaa

» برنامج يحول الصور الأبيض و الأسود الى صور ملونة
الثلاثاء مارس 05, 2013 11:29 am من طرف simo

» مفهوم الدولة
الثلاثاء مارس 05, 2013 11:27 am من طرف chaima

»  هل عمل الرجل فى المنزل ينقص من رجولته ؟؟؟...
الثلاثاء مارس 05, 2013 11:25 am من طرف chaima

» أزمة العالم الرأسمالي الكبرى لسنة 1929
الجمعة فبراير 22, 2013 2:13 pm من طرف Admin

المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد


[ مُعاينة اللائحة بأكملها ]


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 162 بتاريخ الخميس ديسمبر 02, 2010 6:57 am

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

abdelmoutalib taif

...

    الأسطورة في الحضارة الإغريقية

    شاطر

    hicham-taif
    المشرفون
    المشرفون

    عدد الرسائل : 51
    السٌّمعَة : 3
    نقاط : 3242
    تاريخ التسجيل : 07/03/2008

    الأسطورة في الحضارة الإغريقية

    مُساهمة  hicham-taif في الأربعاء مارس 19, 2008 1:15 pm

    الأسطورة في الحضارة الإغريقية

    في دراستنا لأية ظ ا هرة من ظواهر الثقافة الإنسانية، هنالك مسألة تطرح نفسها، ابتداءً، ولا نستطيع السير قُدماً في مهمتنا قبل التوقف عندها ملياً، ألا وهي مسألة المصطلح والتعريف. فبدون هذه الخطوة المبدئية التي من شأنها تعريف الظاهرة وتوضيح حدودها قد يجد الباحث نفسه يلاحق ظواهر بعيدة عن موضوع دراسته، أو ينساق وراء جوانب ثانوية من الظاهرة المعنية على حساب جوانبها الرئيسية. على أن المشكلة التي تواجهنا عندما نحاول أن نستهل دراستنا بتعريف للظاهرة وتوضيح لمصطلحاتها، هي أننا لا نستطيع التوصل إلى تعريف مرضٍ قبل أن نكون قد قطعنا شوطاً واسعاً في تقصي ظاهرتنا. لأن التعريف الذي لا يأتي نتيجة الدراسة المتأنية والمعمقة سوف يعكس أهواء الباحث ومواقفه المسبقة وإسقاطاته الخاصة عوضاً عن أن يكون مرشداً موضوعياً له. من هنا، فنحن أمام مأزق فعلي يتعلق بالمنهج. ذلك أن التعريف المسبق أمر ضروري لغاية توضيح وتحديد مجال البحث. ولكننا، في الوقت نفسه، لا نستطيع التوصل إلى مثل هذا التعريف قبل أن نشبع ظاهرتنا التي نعكف عليها بحثاً وتحليلاً.

    من هنا فإني أرى أن دراسة أية ظاهرة من ظواهر الثقافة الإنسانية يجب أن تتمّ على مرحلتين. تستهدف المرحلة الأولى التوصل إلى تعريف دقيق للظاهرة انطلاقاً من تعريف مبدئي عام وفضفاض، من شأنه حصر مجهود الباحث وتركيزه ضمن قطاع عام أو ظاهرة أشمل تحتوي الظاهرة الأصغر التي نحن بصددها. أما المرحلة الثانية فتعود إلى نقطة البداية مزودة بتعريف واضح ودقيق للموضوع، وتُقبِل عليه مجدداً وقد صار محدداً ومميزاً عن بقية الموضوعات المشابهة له أو المتداخلة معه.

    في مجال الأسطورة، وهي ظاهرة من أهم ظواهر الثقافة الإنسانية، يمكن للباحث أن يبتدئ من التعريف المبدئي التالي فيقول: "إن الأسطورة هي حكاية تقليدية تلعب الكائنات الماورائية أدوارها الرئيسية." غير أن التقدم في مسيرة البحث سوف يطلِعنا على العديد من الأجناس الأدبية التي ينطبق عليها هذا التعريف والتي نستبعدها من دائرة الأسطورة تدريجياً وذلك لعدم صلتها بها رغم مشابهتها لها من حيث الشكل، فنتعرف على الخرافة وعلى القصص البطولي وعلى الحكاية الشعبية وغيرها، وجميعها مما يشترك بهذه الدرجة أو تلك في التعريف الذي أوردناه. وكلما سرنا قدماً في مجهود الجمع والتدقيق والمقارنة استطعنا تمييز جنس الأسطورة عن غيره من الأجناس، واقتربنا أكثر فأكثر من تعريف دقيق يمكن الانطلاق منه إلى دراسة الأسطورة كظاهرة ثقافية متميزة ذات خصوصية عالية. وهذا التمييز لا يهم فقط باحثي الميثولوجيا بل وبقية الباحثين في حقول العلوم الإنسانية المختلفة، وعلى وجه الخصوص تاريخ الأديان وعلم الأديان المقارن والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا والبسيكولوجيا، نظراً لما تقدمه أساطير الشعوب لهذه المجالات من مادة غنية تساعدها على فهم وتفسير ظواهر الثقافة الإنسانية الأخرى. يضاف إلى ذلك ما لتوضيح مصطلح الأسطورة من أهمية بالغة بالنسبة لجمهرة القراء المهتمين بهذا الحقل المعرفي.

    ولرب سائل يسأل: لماذا نثير الآن مسألة المصطلح والتعريف بعد أن ظننا المسألة صارت من ماضي البحث، وبعد أن أمضى علم الميثولوجيا أكثر من قرن وهو يبحث وينقب ويصوغ النظريات؟ أليس في العودة إلى هذه المسألة وضع إشارة استفهام حول منهجية البحث الميثولوجي ومعظم منجزاته؟ جوابي على هذا التساؤل هو أني أريد بالفعل أن أضع إشارة الاستفهام هذه حول ما يعتقد الكثيرون بأنه صار في حكم المعروف والموصوف في هذا المجال، وعلى وجه الخصوص تلك المجموعات من حكايا الشعوب التي يقدمها لنا مصنفوها تحت عنوان "الميثولوجيا" من دون أن يختبروا مادتهم على أي معيار من شأنه أن يفرز النص الأسطوري عن غيره من النصوص التي تنتمي إلى أجناس أدبية أخرى مازالت مختلطة بالجنس الميثولوجي الأصيل، حتى في أذهان كثير من المتخصصين. من هذه المجموعات، أخص بالذكر ما يُقدم إلى القراء تحت عنوان "الميثولوجيا الإغريقية"، لأن معظم مادتها لا ينتمي إلى الأسطورة بل اختلط بها لأسباب تتعلق بتاريخ البحث الميثولوجي.

    تبدأ المشكلة، في رأيي، من أن القدماء أنفسهم لم يعملوا على تمييز النص الأسطوري عن غيره، ولا هم دعوه باسم خاص يساعدنا على تمييزه بوضوح بين ركام ما تركوه لنا من حكايات وأناشيد وصلوات وما إليها. ويمكن أن أسوق في هذا المجال مثالين، المثال السومري والمثال الإغريقي. فقد كان للسومريين مكتبات يحفظون فيها الرقم الفخارية تدعى "بيوت الألواح"، وكان لهم نظام للأرشفة يساعد خازن بيت الألواح على جرد محتوياته وخدمة المستفيدين منه. ولكننا إذا نظرنا إلى لوائح أرشيفهم لوجدنا أن النصوص الأسطورية مبعثرة بين البقية، وكأن المؤرشف لم يلمح ما يجمع هذه النصوص إلى بعضها ولم يجد ما يبرر ضمها إلى زمرة واحدة. وقد بقي نظام الأرشفة هذا قائماً حتى أواخر عصر المملكة الآشورية الجديدة، حيث نجد في مكتبة الملك آشوربانيبال النصوص وقد حفظت بعضها إلى جانب بعض دونما عناية بفرزها إلى مجموعات وفق موضوعاتها، وحيث نصوص الحكم والوصايا توجد إلى جانب الصلوات والتراتيل وإلى جانب الأساطير. يضاف إلى ذلك عدم وجود أية إشارة تميز النص الأسطوري الذي غالباً ما كان يتخذ عنوانه من سطره الافتتاحي الأول، شأنه في ذلك شأن بقية النصوص الطقسية أو الملحمية أو الأدبية البحتة. وإليكم بعض العناوين المدرجة في أحد فهارس المكتبات السومرية [1] [1] : 1. "إنليل واسع الإدراك"، وهو بداية ترتيلة مرفوعة إلى الإله إنليل؛ 2. "السيد، إلى أرض الأحياء"، وهو بداية نص جلجامش وأرض الأحياء؛ 3. "إلى أين كنت تذهب"، وهو مأخوذ من السطر الأول لنص أيام الدراسة الذي يقول: "يا ابن المدرسة إلى أين كنت تذهب في الأيام القديمة؟"؛ 4. "الفلاح في سابق الأيام"، وهو مأخوذ من بداية رسالة تتضمن توجيهات موجهة من فلاح إلى ابنه؛ 5. "من الأعلى العظيم إلى الأسفل العظيم"، وهو بداية أسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل. نلاحظ من هذه العناوين كيف تم إدراج الأساطير إلى جانب النصوص المدرسية والتعليمات الزراعية وما إليها دون إعطاء خصوصية لأي منها.

    وقد اتخذ جامعو التراث الأدبي الإغريقي الموقف نفسه من الأسطورة عندما جمعوها مع أشتات من الحكايات التي تنتمي إلى أجناس أدبية مختلفة ضمن سِفر واحد. وبما أن هؤلاء الإغريق لم يكونوا خَزَنَة ألواح بل أدباء وجمعة تراث، فقد عمد كل واحد منهم إلى إعادة صياغة ما وصل إليه من هذه الحكايات التقليدية وفق أسلوب أدبي خاص به، ووفق صنعة وخيال تُدخِل على النص المنقول تعديلات لابد منها في أية صياغة أدبية هدفها الإمتاع والمؤانسة، لا التوثيق والتدقيق. ونالت الأسطورة على أيديهم حظها من التعديل والتشذيب، وغابت في خضم الموروث الشعبي المختلِط حابلُه بنابله. وقد نشطت حركة الجمع التراثي بشكل خاص إبان العصر الهيلنستي عقب فتوح الإسكندر المقدوني على يد كتاب من أمثال كاليماخوس Callimachus وأبولونيوس Apollonious ، وقلَّدهم في ذلك لاحقاً الشعراء الرومان من أمثال أوفيد Ovid وبروبرسيوس Propertius . وعندما جاء الباحثون الغربيون في العصر الحديث إلى النظر في تلك المجموعات الأدبية أطلقوا على ما حوته اسم الأساطير، وابتدأت مشكلتنا مع المصطلح والتعريف.

    وظيفة الأسطورة ودورها في حياة الفرد والجماعة

    تتميز ظاهرة الحياة عن الوسط الطبيعي الذي انبثقت عنه، ويتميز الكائن الحي عن الكائن الجامد، بعدد من الخصائص الجذرية التي يمكن تلخيصها بخصيصة واحدة أدعوها السلوك. فبينما تبدو الظواهر الفيزيائية (= الطبيعانية) منتظمة في شبكة من القوانين التي ترسم حركتها وعلائقها، فإن الكائن الحي، ابتداءً من الأميبا الوحيد الخلية، يبدي "سلوكاً" مستقلاً عن القوانين الناظمة للعالم الفيزيائي. وتتضح استقلالية وحرية هذا السلوك كلما ارتقينا في سلم التطور الطبيعي. فبينما تتحكم الحساسية الحيوية في سلوك الكائن البسيط التركيب، فيما يشبه الفعل وردّ الفعل الفيزيائي، فإن الكائنات المعقدة التركيب تبدو موجهة أكثر فأكثر بـ"الوعي" الذي يحكم علاقاتها بوسطها الطبيعي، حيث تتحول الحساسية الحيوية، كلما صعدنا في سلم الارتقاء، إلى شعور واعٍ موجِّه للسلوك الفردي وللسلوك الجمعي للأنواع الحية. غير أن هذا الشعور الواعي يبقى في أعلى الأشكال الحيوانية ضمن حدود الوعي الانفعالي المباشر الذي لم يتوصل بعد إلى تكوين "الأفكار". ولكن مع استقلال النوع الإنساني تدريجياً عن مملكة الحيوان، ينتقل الوعي من الانفعال المباشر إلى تشكيل الأفكار (= المفاهيم)، ويبدو السلوك موجَّهاً أكثر فأكثر بهذه الأفكار. فهنا تتوسط الفكرة بين الانفعال المباشر والسلوك، ونأخذ بترميز العالم قبل الاستجابة إليه. إن الخرفان الصغيرة تميِّز رائحة الذئب وتفزع لظهوره المفاجئ قبل أن تتكون لديها أية خبرة بهذا الخصوص. أما الإنسان فإنه يستجيب في خوفه لفكرة مسبقة كوَّنها من خلال تأمله لوسطه الطبيعي، وتصنيفه لما هو خطر ولما هو آمن بالنسبة إليه.

    إن تكوين الأفكار هو أول تعبير عن نشاط الترميز الذي يرافق اتساع الوعي وارتقاءه. فهنا تأخذ الانفعالات بالتحول إلى أفكار. وهذه الأفكار تتضح وتنتظم كلما اتسع الوعي في مواجهته مع الخارج، وكلما أخذ بتوصيف هذا الخارج وترتيبه في كل مستوعَب ومفهوم. ثم جاءت الخطوة الحاسمة الثانية عندما انتقل الإنسان إلى ابتكار معادل موضوعي لأفكاره من خلال الكلمات، مع تطويره للُّغة البدائية الأولى. فبعد تكوين "فكرة" أو "مفهوم" عن الشجرة، مثلاً، تختزل عدداً لا يحصى من المعطيات الحسية، المنعزل بعضها عن بعض، تأتي كلمة "شجرة" كمعادل لهذه الفكرة، وتعمل على مَوْضَعَتها في الخارج لتقوم مقام كل الصور التي كوَّناها لأنفسنا عن الأشجار التي واجهت مدركاتنا الحسية. وبذلك يتم الانتقال من الترميز الذاتي، وهو صياغة الأفكار، إلى الترميز الموضوعي، وهو تثبيت هذه الأفكار في الخارج من خلال الكلمات، ومَوْضَعَتها هناك.

    لقد كانت اللغة أول أشكال الترميز الموضوعي التي ابتكرها الإنسان واكتشف معها مقدرته الهائلة على استيعاب ما حوله من خلال تكوين المفاهيم، ثم مَوْضَعَتها في الخارج عن طريق الكلمات، والاستناد إلى هذه الكلمات بعد ذلك من أجل خلق مستوى آخر من المفاهيم أعلى من سابقه، وهكذا دواليك في سلسلة متصاعدة رافقت ارتقاءه وتقدمه.

    وبعد اللغة توصل الإنسان إلى اكتشاف شكل آخر من أشكال الترميز الموضوعي الذي يعمل على تثبيت أفكاره في الخارج هو الفن البصري. كما اكتشف مقدرته الكبيرة على التعامل مع الكلمات واستخدامها في مجالات غير مباشرة وغير نفعية. وهذا ما قاده إلى إنتاج الشعر والأسطورة – أقنومان في نظام رمزي واحد – عمل من خلاله على تحويل ومَوْضَعَة تجربته الانفعالية مع الكون والنفس الداخلية. والإنسان، في ترميزه الأسطوري لهذه التجربة، لا يلجأ إلى التحليل والتعليل الخطي المنظم، بل إلى إنتاج بنية أدبية تحاول من خلال تمثيلاتها وصورها الحركية إعادة إنتاج العالم على مستوى الرمز، وذلك في وحدات أدبية رمزية تعمل على اختزاله ثم تقديمه مجدداً إلى الوعي.

    وفي الحقيقة، فإن كلاً من الفلسفة والعلم، اللذين ولدا من رحم الأسطورة، يقوم بالمهمة نفسها، أي اختزال تجربتنا مع العالم وتقديمه إلى الوعي وقد تم تفسيره وترتيبه. ولكن، بينما يلجأ كلا العلم والفلسفة إلى العقل التحليلي الذي يجزِّئ العالم ثم يعيد تركيبه من أجل فهمه، معتمداً في ذلك على الاختبار والبرهان (العقلي في الفلسفة والتجريبي في العلم)، فإن الأسطورة تضع الإنسان بكلِّيته في مواجهة العالم، بجميع ملكاته العقلية والحدسية، الشعورية واللاشعورية، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل تقديم رؤية متكاملة لهذا العالم، ذات طابع كلاني يعادل تجربة الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه.

    من هنا، فإن الأسطورة، في المجتمعات القديمة والمجتمعات التقليدية تلعب نفس الدور الذي تلعبه الميتافيزيقا في الثقافات المتطورة التي أعلت من شأن الفلسفة. وهي رغم عدم عنايتها بتكوين المفاهيم والمصطلحات التي اشتهرت بها الميتافيزيقا (وبقية موضوعات الفلسفة)، إلا أنها تدور حول نفس هذه المفاهيم والمصطلحات، وتعالجها على طريقتها متوسِّلة بالرمز ومستنفدة كل حيوية القص والصور الحسية، ومستكملة ذلك كله بالأفعال الطقسية ذات المعنى والمؤدى العميق.

    إن كلاً من الأسطورة والفلسفة والعلم يستجيب على طريقته لمطلب "النظام"، أي لمطلب الإنسان في أن يعيش ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته الأولى مع الطبيعة. فالفلسفة تنتج نظاماً مترابطاً من المفاهيم التجريدية يدّعي تفسير العالم. والعلم يخلق نظاماً من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، وتنتهي إلى ترميز العالم في بنى رياضية عالية التجريد. وفي مقابل هرمية نظام المفاهيم الفلسفي وهرمية نظام القوانين الرياضي العلمي، فإن الأسطورة تعمد من جانبها إلى خلق نظامها الخاص، هو نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية التي يعتمد بعضها على بعض أيضاً، في هرمية متسقة للأسباب والنتائج. وهي إذ تؤنسِن الكون حين تبث فيه عنصر الإرادات الفاعلة والعواطف المتباينة، وترى في كل ظاهرة موضوعية نتاج إرادة أو عاطفة ما، فإنها تصنع صورة لكون حي لا يقوم على مبادئ ميكانيكية متبادلة التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. والأسطورة في سعيها لخلق هذه الصورة، تفتح خزاناً لا ينضب مَعينه من وسائل الترميز، كما تفتح البوابات على مصاريعها بين الوعي واللاوعي، في تجربة كلانية تحافظ على علائق الإنسان الطبيعانية مع عالمه، وعلائقه الثقافية في الوقت ذاته، وذلك قبل أن يتحول الإنسان إلى كائن ثقافي متعالٍ على الطبيعة متمايز عنها.

    من هنا ينبع سلطان الأسطورة وسطوتها على النفس، حتى في دولة العلم العالمية التي نعيشها اليوم. ذلك أن الأسطورة تعطينا ذلك الإحساس بالوحدة: الوحدة بين المنظور والغيبي، بين الحي والجامد، بين الإنسان وبقية مظاهر الحياة. والنظام الذي تخلقه الأسطورة فيما حولها ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل نفسه خارج العالم ثم يفسره عن بُعد وكأنه شيء غريب عنه، بل هو نظام الإنسان المتعدد الأبعاد الذي لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره، ويدرك بطريقة ما أن المفسِّر والمفسَّر وجهان لعملة واحدة. إن التمييز الذي يصنعه العقل بين العالم المدرَك والإنسان ما يلبث أن يذوب من خلال الأسطورة التي تعيد الربط بين طرفي الوجود: الإنسان/الوعي، والكون/المادة، وتكشف أمامنا تلك الروابط الجامعة لكل ما يتبدى في الوعي. من هنا، فإن ما يفرق متلقي الأسطورة في القِدم عن دارس نظام فلسفي أو نظرية علمية في العصر الحديث هو أن متلقي الأسطورة لا يشعر بأنه قد أضاف إلى معارفه شيئاً جديداً، وإنما قد غدا أكثر توافقاً وانسجاماً مع نفسه ومع العالم. ذلك أن ما تنقله الأسطورة من معانٍ لا يشبه الوقائع أو المعلومات الدقيقة. إنه إيحاء لا إملاء، وإشارة وتضمين لا تعليم وشرح وتلقين.

    وتعتمد الأسطورة في تقنياتها هذه على استخدام الظلال السحرية للكلمات. فالكلمات في أية لغة ذات وجهين: وجه دلالي يرتبط بالمعاني المباشرة للمسمَّيات، ووجه آخر سحري متلون بظلال متدرجة بين الخفاء والوضوح، قادرة على الإيحاء بمعانٍ غير مباشرة واستثارة مشاعر وأهواء كثيرة. فكلمة شمس، على سبيل المثال القريب، تدلّ على ذلك الجرم السماوي المضيء، ولكنها في الوقت نفسه تعكس في النفس معاني أخرى: فهي الوضوح، وهي الانتظام، وهي الصحو، وهي العقل، وهي الحقيقة، إلى آخر ما هنالك من ظلال لغوية مرتبطة بها. وبالمقابل، فإن القمر هو الأسرار، وهو التلون والتحول والغموض والعواطف الجياشة إلخ.


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 17, 2017 9:11 pm